سعيد عطية علي مطاوع
256
الاعجاز القصصي في القرآن
بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " ( سورة البقرة : 131 - 132 ) . " وكلّ هذه المعاني الكريمة متجاوبة في محيط دعوة الأنبياء ومهمة المرسلين ، وعلي رأسهم إبراهيم الخليل الذي تتحاضنه الأمم وتتزاحم عليه جميع الأجناس ، حتى عبّاد الأوثان ولهذا يقول سبحانه : " لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " ، دفعا للمعارضين ، ودحضا للمجرمين " 23 . وهذا ونحوه من المعاني التي ميّزت القصص القرآني بقوة خارقة في معانيه الخاصة الرفيعة ، وأفكاره العجيبة الغريبة مما ضاعف نواحي الإعجاز في أسلوبه ، فإن المعني الشريف الذي تتجه به إلي النفوس قوة اللّه القدير إذا صب في ذلك الأسلوب البديع العجيب أنزل العصم من أماكنها ، وطأطأ الرؤوس إلي أذقانها . . فإذا انتقلنا لي قوله سبحانه في عذاب عاد : " إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ " ( سورة القمر : 19 ) . فهو يصف إنزال العذاب بالإرسال ، ويصوّر تصريف الريح بالمجرمين وقلقلة المعاندين بأنه نزع للناس من أماكنهم وإلقاء لهم فلا حراك بهم كما تري أعجاز النخل المنقعر وهي منطرحة ملقاة علي الأرض . . . وإذا انتقلنا بعد ذلك إلي قوله هنالك : " إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ " ( سورة القمر : 27 : 30 ) كل تلك أوصاف تلبس كسي من الألفاظ لا يهتدي إليها إلا خالق القوي والقدر " . . " الحقيقة أن هذه النواحي لا ترجع إلي الأساليب والألفاظ فهي تختلف عن ذلك ، فهذه معان يسميها الأدباء أخيلة وأفكارا ، ويعتبرون الأسلوب شيئا يرجع إلي اللفظ في مفرداته وترتيب تلك المفردات وما توصف به من فصل أو وصل ، وذكر أو حذف ، وتقديم أو تأخير ، ولذلك فهي ناحية تختلف عن ناحية الإعجاز البياني الذي يؤديه الجرجاني والباقلاني والجاحظ وغيرهم من علماء البيان والبلاغة وركزوا فيه علي الناحية الإجمالية التي جرت عليها العرب " 24 .